سيد محمد طنطاوي

280

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : واللَّه لقد كان لقبيلة سبأ في مساكنهم التي يعيشون فيها * ( آيَةٌ ) * بينة واضحة ، وعلامة ظاهرة تدل على قدرة اللَّه - تعالى - وعلى فضله على خلقه وعلى وجوب شكره على نعمه ، وعلى سوء عاقبة الجاحدين لهذه النعم . فالمراد بالآية : العلامة الواضحة الدالة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته وبديع صنعه ، ووجوب شكره ، والتحذير من معصيته . ثم وضح - سبحانه - هذه الآية فقال : * ( جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ ) * أي : كانت لأهل سبأ طائفتان من البساتين والجنان : طائفة من يمين بلدهم ، وطائفة أخرى عن شماله . وهذه البساتين المحيطة بهم كانت زاخرة بما لذ وطاب من الثمار . قالوا : كانت المرأة تمشى تحت أشجار تلك البساتين وعلى رأسها المكتل ، فيمتلئ من أنواع الفواكه التي تتساقط في مكتلها دون جهد منها . ولفظ * ( جَنَّتانِ ) * مرفوع على البدل من * ( آيَةٌ ) * أو على أنه مبتدأ ، وخبره قوله : * ( عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ ) * . وقوله - تعالى - : * ( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ واشْكُرُوا لَه . . . ) * مقول لقول محذوف . أي : وقلنا لهم على ألسنة رسلنا ، وعلى ألسنة الصالحين منهم ، كلوا من الأرزاق الكريمة ، والثمار الطيبة ، التي أنعم بها ربكم عليكم ، واشكروا له - سبحانه - هذا العطاء ، فإنكم إذا شكرتموه زادكم من فضله وإحسانه . وقوله : * ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ) * كلام مستأنف لبيان موجبات الشكر . أي : هذه البلدة التي تسكنونها بلدة طيبة لاشتمالها على كل ما تحتاجونه من خيرات ، وربكم الذي أعطاكم هذه النعم ، رب واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب ، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده بفضله وإحسانه . ثم بين - سبحانه - ما أصابهم بسبب جحودهم وبطرهم فقال : * ( فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ، وبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ، وأَثْلٍ وشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) * . والعرم : اسم للوادي الذي كان يأتي منه السيل . وقيل : هو المطر الشديد الذي لا يطاق . فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة . أي : أرسلنا عليهم السيل الشديد المدمر . ويرى بعضهم أن المراد بالعرم : السدود التي كانت مبنية لحجز الماء من خلفها ، ويأخذون منها لزروعهم على قدر حاجتهم ، فلما أصيبوا بالترف والجحود تركوا العناية بإصلاح هذه